الشنقيطي

350

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وأجاب أهل هذا القول عن قوله تعالى : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ( 15 ) [ الإسراء : 15 ] من أربعة أوجه : الأول - أن التعذيب المنفي في قوله وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ الآية ، وأمثالها من الآيات . إنما هو التعذيب الدنيوي ؛ كما وقع في الدنيا من العذاب بقوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح ، وقوم لوط ، وقوم شعيب ، وقوم موسى وأمثالهم . وإذا فلا ينافي ذلك التعذيب في الآخرة . ونسب هذا القول القرطبي ، وأبو حيان ، والشوكاني وغيرهم في تفاسيرهم إلى الجمهور . والوجه الثاني - أن محل العذر بالفترة المنصوص في قوله : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ [ الإسراء : 15 ] الآية وأمثالها في غير الواضح الذي لا يخفى على أدنى عاقل . أما الواضح الذي لا يخفى على من عنده عقل كعبادة الأوثان فلا يعذر فيه أحد ؛ لأن الكفار يقرون بأن اللّه هو ربهم ، الخالق الرازق ، النافع ، الضار . ويتحققون كل التحقيق أن الأوثان لا تقدر على جلب نفع ولا على دفع ضر ؛ كما قال عن قوم إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ( 65 ) [ الأنبياء : 65 ] وكما جاءت الآيات القرآنية بكثرة بأنهم وقت الشدائد يخلصون الدعاء للّه وحده ؛ لعلمهم أن غيره لا ينفع ولا يضر ؛ كقوله فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ العنكبوت : 65 ] الآية ، وقوله : وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ لقمان : 32 ] الآية ، وقوله : وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [ الإسراء : 67 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . ولكن الكفار غالطوا أنفسهم لشدة تعصبهم لأوثانهم - فزعموا أنها تقربهم إلى اللّه زلفى ، وأنها شفعاؤهم عند اللّه ؛ مع أن العقل يقطع بنفي ذلك . الوجه الثالث - أن عندهم بقية إنذار مما جاءت به الرسل الذين أرسلوا قبل نبينا صلى اللّه عليه وسلم ؛ كإبراهيم وغيره . وأن الحجة قائمة عليهم بذلك . وجزم بهذا النووي في شرح مسلم ، ومال إليه العبادي في ( الآيات البينات ) . الوجه الرابع - ما جاء من الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، الدالة على أن بعض أهل الفترة في النار ؛ كما قدمنا بعض الأحاديث الواردة بذلك في صحيح مسلم وغيره . وأجاب القائلون بعذرهم بالفترة عن هذه الأوجه الأربعة - فأجابوا عن الوجه الأول ، وهو كون التعذيب في قوله : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ( 15 ) [ الإسراء : 15 ] إنما هو التعذيب الدنيوي دون الأخروي من وجهين : الأول - أنه خلاف ظاهر القرآن ؛ لأن ظاهر القرآن انتفاء التعذيب مطلقا ، فهو أعم من كونه في الدنيا . وصرف القرآن عن ظاهره ممنوع إلا بدليل يجب الرجوع إليه .